اسماعيل بن محمد القونوي

341

حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد

وإلى المحاط بهم بالباء فيفيد التركيب أن الذلة محيطة لا محاطة كما سيأتي في آل عمران فكان عين ما ذكره الزمخشري جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فإذا جعلت الهمزة في أحيطت بهم للتعدية يكون المعنى جعلت الذلة محيطة بهم وهذا الكلام مما اخترعه الفاضل الخيالي وسره أن الهمزة لتعدية حاط بمعنى أحاط الذي هو اللازم إذ قد عرفت أن أحاط من باب الأفعال قد يكون متعديا كما يكون لازما وما ذكر في تفسير أحيطت بهم من قوله جعلت الذلة محيطة اسم فاعل من أحاط اللازم فالظاهر أن يقال جعلت الذلة حائطة لكن لما كان الحائط والمحيط اللازم بمعنى واحد فسر بما ذكر أخذا بالحاصل وللإشارة إلى هذا قال الفاضل الخيالي أي جعلت الذلة حائطة ومحيطة حياطة وإحاطة مثل « 1 » إحاطة القبة فحينئذ الباء في بهم للتعدية لا للسببية وما ذكر أولا بناء على أن أحيطت في كلام المصنف من أحاط اللازم والباء للسببية فحينئذ الظاهر أن يقال أحاطت بهم لكن جعلت مبنيا للمفعول بطريق الحذف والإيصال فيفيد أن الذلة محاطة بسببهم فيحتاج إلى القول بالقلب لتضمنه اعتبارا لطيفا ولما كان اعتبار القلب مشتملا على المبالغة كما عرفت حسن حمل الإحاطة على استعمال اللازم فلا وجه لما قيل ويكون الإحاطة متعدية أيضا وقد غفل عنه كثير فوقعوا فيما وقعوا انتهى . ولم تقع الغفلة عن كثيرين بل نبهوا على كونه متعديا أيضا وقال مولانا خسرو إن قوله أحيطت من قبيل الحذف والإيصال إن لم يستعمل أحاط متعديا وإلا فعلى ظاهره والباء في بهم وبمن للسببية لا للتعدية إلى آخر ما قال مع أنه ممن وقع فيما وقعوا بل المناسب الحمل على اللازم تحصيلا لهذا الأمر اللطيف المشتمل على البراعة والبلاغة وأما الحمل على المتعدي مع أنه قليل استعماله بالنسبة إلى اللازم فهو خال عن هذه النكتة الأنيقة والدقة الرشيقة وأورد البعض على الخيالي بأنه يتوقف على ثبوت أحاط متعديا بمعنى جعله حائطا ولم نجده في كتب اللغة انتهى . وما ذكره الفاضل الخيالي

--> ( 1 ) وتمامه وإحاطة في قوله إحاطة القبة مصدر من المبني للمفعول بمعنى المحاطية فإن القبة ونحوها إذا ضربت على الشيء تكون مقتصرة عليه غير متجاوزة عنه ففيها جهة المحيطة صورة وجهة المحاطية معنى فإنها لما لم تتجاوز المحاط صارت كمحاط حسي لم يتجاوز المحيط فقد استعير الضرب المعدى بعلى للتثبيت بجامع كمال الاختصاص وعدم التجاوز باعتبار المحيطية والمحاطية والقرينة الإسناد إلى الذلة والمسكنة واستعيرت القبة ونحوها للذلة والمسكنة بجامع الجهتين المذكورتين ودل على الاستعارة بذكر لازم المستعار منه وهو الضرب المعدى بعلى لكن المقصود هذه الاستعارة والأولى تابعة لها كما اختاره صاحب الكشاف فتكون الآية من قبيل قوله تعالى : الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ الآية في اجتماع المكنية والتبعية وانتفاء التخييلية وأصالة المكنية وتبعية التبعية فمعنى العبارة جعلت الذلة محاطة بهم لا مطلقا بل كمحاطة القبة بمن فيها فإنها محاطة بهم معنى ومحيطة صورة فكذا الذلة فإن قيل إذا كان كل من المحاطية والمحيطية معتبرا فلم اقتصر المصنف وغيره على ذكر المحاطية قلنا مناسبة بين أحيطت وضربت مع خفاء جهة المحاطية فإنهم لما أرادوا أن ينبهوا على هذه الدقيقة بألطف وجه صرحوا بالشق الخفي واكتفوا بالآخر بانفهامه من قولهم إحاطة القبة بمن فيها فإن الإحاطة بمعنى المحاطية لكن القبة وقوله بمن فيها يدلان على المحيطية انتهى ولا يخفى ما فيه من التمحل البعيد والتكلف الشديد فالأحسن أن يحمل الإحاطة على اللازم فالكلام مقلوب أو المتعدي فلا قلب ولا تكلف .